فخر الدين الرازي

651

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

اعلم أن نوحا عليه السلام إنما دعاهم إلى العبادة والتقوى والطاعة لأجل أن يغفر لهم ، فإن المقصود الأول هو حصول المغفرة ، وأما الطاعة فهي إنما طلبت ليتوسل بها إلى تحصيل المغفرة ، ولذلك لما أمرهم بالعبادة قال : يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ [ نوح : 4 ] فلما كان المطلوب الأول من الدعوة حصول المغفرة لا جرم قال : وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ واعلم أنه عليه السلام لما دعاهم عاملوه بأشياء : أولها : قوله : جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ والمعنى أنهم بلغوا في التقليد إلى حيث جعلوا أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا الحجة والبينة . وثانيها : قوله : وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ أي تغطوا بها ، إما لأجل أن لا يبصروا وجهه كأنهم لم يجوزوا أن يسمعوا كلامه ، ولا أن يروا وجهه . وإما لأجل المبالغة في أن لا يسمعوا ، فإنهم إذا جعلوا أصابعهم في آذانهم ، ثم استغشوا ثيابهم مع ذلك ، صار المانع من السماع أقوى . وثالثها : قوله : وَأَصَرُّوا والمعنى أنهم أصروا على مذهبهم ، أو على إعراضهم عن سماع دعوة الحق . ورابعها : قوله : وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً أي عظيما بالغا إلى النهاية القصوى . ثم قال تعالى : [ سورة نوح ( 71 ) : الآيات 8 إلى 9 ] ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً ( 8 ) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً ( 9 ) واعلم أن هذه الآيات تدل على أن مراتب دعوته كانت ثلاثة ، فبدأ بالمناصحة في السر ، فعاملوه بالأمور الأربعة ، ثم ثنى بالمجاهرة ، فلما لم يؤثر جمع بين الإعلان والإسرار ، وكلمة ثُمَّ دالة على تراخي بعض هذه المراتب عن بعض إما بحسب الزمان ، أو بحسب الرتبة ، لأن الجهار أغلظ / من الإسرار ، والجمع بين الإسرار والجهار أغلظ من الجهار وحده ، فإن قيل : بم انتصب جِهاراً ؟ قلنا : فيه وجوه أحدها : أنه منصوب بدعوتهم نصب المصدر ، لأن الدعاء أحد نوعيه الجهار ، فنصب به نصب القرفصاء بقعد لكونها أحد أنواع القعود وثانيها : أنه أريد بدعوتهم جاهرتهم وثالثها : أن يكون صفة لمصدر دعا بمعنى دعاء جهارا ، أي مجاهرا به ورابعها : أن يكون مصدرا في موضع الحال أي مجاهرا . [ سورة نوح ( 71 ) : آية 10 ] فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً ( 10 ) قال مقاتل : إن قوم نوح لما كذبوه زمانا طويلا حبس اللّه عنهم المطر ، وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة ، فرجعوا فيه إلى نوح ، فقال نوح : استغفروا ربكم من الشرك حتى يفتح عليكم أبواب نعمه . واعلم أن الاشتغال بالطاعة سبب لانفتاح أبواب الخيرات ، ويدل عليه وجوه أحدها : أن الكفر سبب لخراب العالم على ما قال في كفر النصارى : تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً [ مريم : 90 ، 91 ] فلما كان الكفر سببا لخراب العالم ، وجب أن يكون الإيمان سببا لعمارة العالم وثانيها : الآيات منها هذه الآية ومنها قوله : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ [ الأعراف : 96 ] وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ [ المائدة : 66 ] وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً [ الجن : 16 ] وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ